الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
عاشوراء.. تجسيد لقيم ومعاني الإسلام

2018/09/12 | الکاتب : عمار كاظم


إنّ هناك روحاً إسلامياً يشعر بها كلّ من سمع بالإمام الحسين (عليه السلام) وعاش حركته وتعمَّق بثورته، بحيث يجد حركية الإسلام في تلك الحركة، وفاعليته ومسؤوليته وإمكانية أن يبقى ليمدّ كل جيل إسلامي بالجديد ممّا يمكن أن يحقق له الأهداف الكبيرة في الحياة، فالإسلام ليس مجرد فكر نختزنه في عقولنا، أو مجرد كلمات نردّدها على ألسنتنا؛ ولكنّه يمثِّل بالإضافة إلى ذلك حركة في مسؤولية الحياة، لقد ارتبطت عاشوراء بشخصية الإمام الحسين (عليه السلام)، هذه الشخصية التي تربت في حضن الرسالة ونهلت من معين الإسلام الصافي، وامتلكت رصيداً من المحبة في قلوب الناس، وجسّدت مجموعة من العناوين الإسلامية والإنسانية، التي ما زالت تلهم كل طالب حق، وكلّ ثائر ضد الظلم، وإذا كانت بعض القراءات للثورة الحسينية تقدّم البُعد العاطفي على العناوين الأُخرى، ولا ترى في الإمام الحسين (عليه السلام) إلّا إنساناً وأباً مفجوعاً بأهله وأولاده وأصحابه، فإن هذه الرؤية تظل قاصرة عن الارتقاء إلى مستوى العناوين الأُخرى في هذه الشخصية.

فمن أبرز هذه العناوين أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) كان الشخص الوحيد في الساحة الإسلامية القادر على تجسيد الإسلام قولاً وفعلاً، والقائد الذي يحمل أخلاقاً تقنع الناس، بخلاف ما كانت عليه القيادات التي تتصدى لتحمل المسؤوليات في المجتمع الإسلامي، فقبل الثورة وأثناء الإعداد لها، جسّد الإمام الحسين (عليه السلام) في مواقفه أخلاق النبوّة والإمامة «أنا أهل بيت النبوّة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة ومحط الرحمة.. بنا فتح الله وبنا ختم.. ومثلي لا يبايع مثله». والواقع أنّ الإمام نهجَ طريق طلب الحقّ في كلّ لحظة من لحظات حياته، وكان (عليه السلام) القائد الذي يخطّط انطلاقاً من مبادئه وأخلاقه النبوية، فلم يلجأ أبداً لأي أسلوب يتعارض مع ذلك الصفاء الإيماني خصوصاً على صعيد استقطاب الأنصار، وحرص على الوضوح والشفافية والصراحة معهم، حتى في أشدّ الساعات، فيطلعهم على خطورة الموقف ويخبرهم بما يفكّر، فبعد استشهاد مسلم بن عقيل وقف ليصارحهم: «لقد نزل من الأمر ما قد ترون، وإنّ الدُّنيا قد تغيّرت وتنكّرت وأدبّر معروفها فلم يبقَ منها إلّا صبابة كصبابة الإناء، ألا ترون إلى الحقّ لا يعمل به وإلى الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء ربّه، حقّاً، فإنّي لا أرى الموت إلّا سعادة والحياة مع الظالمين إلّا برماً».

وهذا الإخلاص والنقاء والطهارة في العمل الثوري أعطى الإمام الحسين (عليه السلام) بُعداً إنسانياً، وتحوّل إلى نموذج إنساني عالمي، وقدوة لكثير من المفكرين والسياسيين والثوار مسلمين ومسيحيين وهندوس وعلمانيين، وهنا نستحضر كمثال ما قاله الزعيم الهندي مهاتما غاندي في كتابه (قصّة تجاربي مع الحقيقة): «لقد عرفت الإسلام بشخصية الإمام الحسين (عليه السلام).. وعلى الهند إذا أرادت أن تنتصر أن تقتدي بالإمام الحسين (عليه السلام) وقال: «تعلمت من الحسين كيف أكون مظلوماً فأنتصر».

ومن مواقفه نتعرّف إلى شخصيته الحوارية، التي تؤمن بالحوار وبإلقاء الحجة على الخصم، وكان هذا خطّه مع جميع خصومه، حتى مع جيش عمر بن سعد ولأكثر من مرّة، قبل المعركة وأثنائها وحتى اللحظات الأخيرة، يسعى لثنيهم عن باطلهم ووعي خطورة ما يقومون به على مستوى الدُّنيا والآخرة، وظل يردّد ويذكرهم بالهدف الذي جاء لأجله، حتى وصل بمحاورتهم إلى أن يقول لهم مقرعاً: «إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا أحراراً في دنياكم». ومع وضوح الهدف وتجليه وثباته في نفس الإمام الحسين (عليه السلام) ونفس كلّ مَن ناصره، انطلق عبر قناة خطّته الشاملة في إصلاح أوضاع الأُمّة، إلى مفازة الاستعداد بحشد الوسائل والطاقات، أُسوة بجدّه المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم). ليتأكد في ضوء ما تقدّم من معطيات أنّ الإمام‌ (عليه السلام) قد حرص على أمن الدولة الإسلامية وسلامتها كحرصه على عدالة قضيته الإصلاحية، بعدما بذل في سبيلها كلّ نصح واتّخذ إلى مقصده كلّ وسيلة، حتى لو اقتضى ذلك المطلب مَدّ جسور الفهم‌ والتفاهم‌ مع‌ أعدائه‌، وما دعوته لقادة وأركان جيش الخصوم والمفاوضات التي أجراها معهم ومقارعتهم بالحجة والبرهان والترغيب إلّا تأكيداً لهذا التوجه السلمي وارتقاء سلم المناورة الإستراتيجية. وعندما أخذت فرص الحل‌ السِّلمي‌ بالتضاؤل والتلاشي مع اشتداد التضييق عليه ودفعه باتجاه نقطة اللا عودة‌، التجأ الإمام الحسين (عليه السلام) مضطراً إلى الخيار العسكري مرجحاً المبدأ على المنطق، والمغزى البعيد على الأمر العاجل القريب، والنصر المعنوي على النصر المادّي، وحفظ بيضة الدِّين على حفظ الروح.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 155
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٥                
روابط ذات صلة
 صفاء الأخلاق في شخصية الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)
 غرس ثقافة العمل التطوعي في حياتنا
 دوافع الصلاة لتقوية الروابط الإنسانية
 التكافل الاجتماعي للقضاء على الفقر
 البُعد الروحي والإيماني في شخصية الإمام الكاظم (عليه السلام)
 الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام).. قدوة رسالية صالحة
 رعاية المسنّين.. بين المساندة والاحتضان
 رسالة المعلّم عبر الأجيال
 مفهوم اللاعنف في الإسلام
 الحسن بن عليّ (عليه السلام).. الإمام المعطاء

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا