الصفحة الرئيسية » ثقافة وفن
علم نفس الضحك وإزالة التسمم المعنوي

2019/01/14 | الکاتب :


قد تكون بعض الأشياء التي اعتادها الإنسان غير ذات أهميّة، وبسبب تكرارها لا يعيرها أي اهتمام، الابتسامة مثلاً، تحدث كثيراً وربّما نفعلها أحياناً بشكل متكرر، حتى تغدو أمراً مألوفاً وصورة تفقد تأثيرها الذاتي، ولكن كيف لك أن تفهم بدقّة ماذا تفعله البسمة في الآخر، فإذا عرفتَ ذلك، سوف تجعل من هذا الأسلوب (الابتسام) طريقاً ثابتاً تشقُّ فيها مصاعب الحياة التي تواجهك، ولا نقصد هنا أن تتحوّل إلى سلوك آلي خالٍ من الروح، وإنّما المقصود أن تكون نابعة من صدق إنسانيتك ونقائك.

هذا ما أثبته الطب الحديث علمياً! لدرجة أنّه تم الاعتراف بـ«علم نفس الضحك» في بداية القرن العشرين، لمفعوله القوي في إزالة التسمم المعنوي والجسدي، فهو يساعد على التخلّص من نوبات الاكتئاب البسيطة والمخاوف، ويشير الباحثون الأوروبيون حالياً إلى أنّ الضحك يسهم أيضاً في تخفيف آثار التوترات الضارة بصورة ملحوظة. على الرغم من أنّ أرسطو عَدَّ الإفراط في الضحك مصدراً للفوضى والبذاءة وعدم اللياقة.

كم هي ساحرة هذه الابتسامة، وكم تمتلك من القدرات الكبيرة على تجاوز المصاعب والمشكلات، وكم لها من القدرة على إضاءة أكثف الطُّرق ظلاماً في حياة الإنسان، في المقابل تخيَّل نفسك عبوساً مكفهرّ الوجه، قانطاً ناقماً وساخطاً على كلّ شيء، هنا سوف تفهم بنفسك، إنّما تقوم فيما تفعله، بزيادة مصاعبك أضعافاً مضاعفة، جرّبْ (صورة) أُخرى غير العبوس، جرّبْ الابتسامة عنواناً لوجهك، وسوف تلمس النتائج الباهرة والسريعة بنفسك.

يقول شكسبير: «شقّ طريقك بابتسامتك خير من أن تشقّه بسيفك»، هذه الحكمة مخصّصة لمن يمتلك قوّة السلطة والسيف والنفوذ، فالأُمور لا يمكن أن تُحَل بالقوّة، وإذا حدث شيء من هذا القبيل، فإنّك تقوم بصناعة فريدة من نوعها لأعداء جُدد، يتربصون بك الشرّ في كلّ حين، وإذا ما تمكنوا منك، فلن يرحموك، وسوف يأتي اليوم الذي يتمكنون فيه منك، لأنّ القوّة لا تصمد إلى الأبد، فهي محكومة بالاضمحلال تحت سطوة الزمن.

كما يقول الإمام عليّ (ع): «وكلّ قوي للزمان يلين».

عندها لا تستطيع قوّتك أن تحميك من بطش أعدائك، حاربهم بالسلاح المجرّب، الابتسامة التي يلين لها الحديد الجماد. في حياتنا العملية نرى أصنافاً كثيرة من الناس، ليس الجميع سواسية في التعامل معك، هناك مَن يؤمن بأنّ «مخافة الله رأس الحكمة»، وهناك مَن يعمي الغرور بصيرته، وتتضخم ذاته بسبب حساسية منصبه، والنفوذ الذي يحيط بها، وكثرة أمواله المنقولة وغير المنقولة، بعض هؤلاء لا يخشى الله، ولا البشر، ولا القانون، وهو مستعد لظلم الآخرين في أي زمان أو مكان.

كيف تتعامل مع الإنسان المغلق من جميع الجهات، هنا ربّما لا تساعدك الابتسامة على اختراق مثل هؤلاء الجبابرة، ولكن تبقى الابتسامة أفضل من سواها بكثير، فهي المفتاح المجرّب لأكثر الأقفال صعوبة، وإيّاك أن تتعمد الابتسام، لتكن الابتسامة عفوية منك، صادرة من صلب الفطرة، لا تتصنعها، ولكن لا تدعها تبتعد عن ثغرك كثيراً، قد يواجه الإنسان مواقف صعبة وأحزان تسرق منه الابتسام، هذا أمر وارد بالطبع لكن مع الوقت ينبغي العودة إلى الحياة، إلى الابتسام.

لا تصلح لك سوى الابتسامة

قد تنتهي بعض الأُمور بنتيجة ليست في صالحنا، كأن يكون هناك فشل يطول مشروعاً لنا، أو انتهاء علاقة مهمّة، أو تقدير لم يأتِ في محله، في جميع الأحوال لا تصلح لك سوى الابتسامة، هناك بعض الأمثال تعضّد الابتسام، وأُخرى تذمه، فمثلاً يُقال: «الضحك بلا سبب من قلة الأدب»، ولكن الابتسامة صورة صامتة بلا صوت ولا قهقهة، إنّها تعبير صوري مرئي ومحسوس، يخلق مشاعر فورية من الارتياح في الذات الأُخرى، ينتج عنها فتح آفاق لحلول قد لا نتوقعها، وهي في جميع الأحوال أفضل من الصُّور المغلّفة بالجمود، وحتماً هناك عادات ورثناها من أسلافنا، بعضها لا يرحّب بالابتسامة، ويفضل صُور التعبير الأُخرى التي تميل إلى القوّة، أو ما يسمّيه البعض (الهيبة)، وهناك مثل شعبي يقول: «كشّر عن أنيابك حتى الناس تهابك»، مثل غريب حقّاً، كيف يمكن أن نؤمن بأمثال كهذه طريقاً للنجاح في حياتنا؟.

من الأفضل حقّاً أن يرافقنا الابتسام بشكل شبه دائم، بعض الأشخاص يتبّسم حتى في نومه، هناك وجوه لا تفارقها الابتسامة فعلاً حتى وهي غافية، أو في عمق النوم، إنّها من النوع الذي يصرّ على رسم الابتسامة في وجهه بجميع الظروف والأوقات، إنّ هؤلاء الأشخاص ينطبق عليهم قول سانتوش كالوار: «كنت ابتسم بالأمس، وأنا ابتسم اليوم، وسوف ابتسم بالغد. لأنّه وبكلّ بساطة الحياة قصيرة جدّاً»، بعض العادات الرديئة ربّما تحاصرنا بالجمود، وقد تطالبنا بنبذ التبسّم، وطرد الابتسامة بعيداً عن ثغورنا، ولكن لماذا، وما هي هذه العادات المريضة، وأي إرث سلوكي يفرض علينا مثل هذا التقييد المرير، ما هو الضرر الذي ينتج من رسم الابتسامة في الوجوه، هل هناك سبب واحد مقنع، بالطبع هناك مواقف لا يصح معها التبسّم، مثل مواقف الحزن، أو الوفيات وما شابه، وهو أمر يفهمه الجميع، ولكنّنا نتحدّث عن نشاط الإنسان وحركته في الظروف والمواقف الاعتيادية، لذا لابدّ من القول، تبّسموا كي تصحّوا.

السلام يبدأ بالابتسام

غالباً عندما نلقي السلام على أحد معارفنا، أو على شخص مجهول لنا، فإنّنا نرسم بسمة صغيرة معبّرة على ثغرنا، تعبيراً عن الترحيب وإعلان نوع من التقارب الإنساني، يشجّع الآخر على إبداء الميول ذاتها والتفاعل نفسه، ولكن قد لا تأتي الأُمور كما نشتهي أو نخطّط أو نتوقع دائماً، فربّما تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، هذا أمر قد يحدث، وربّما تصادفك ابتسامة من هذا النوع، إنّها الابتسامة الصفراء، التي يرسمها الغريم على شفتيه إشارة التشفي أو السخرية أو الامتعاض غير المحقّ، وكلّ هذه الأنواع لا يمكن أن تنتمي إلى الابتسامة التي نقصدها هنا ونكتب عنها، إنّ ما نقصده بالابتسام الذي يفتح طريق النجاح لنا، هو ذلك الذي يفتح مغاليق الروح، ويهشّم الحواجز بين النفوس والقلوب، نعم توجد ابتسامة لها القدرة على إذابة الجليد بينك وبين الآخر، ولعلّ أهميّة الابتسامة، نجدها في هذا القول الجميل لـ(مايا أنجيلو): «إذا كنت تمتلك ابتسامة واحدة فقط، امنحها للأشخاص الذين تحبّهم، ولا تكن عابساً طوال الوقت».

وقد أعطى العباقرة والأفذاذ، أهميّة خاصة للابتسامة، وأشادوا بقدراتها على صنع المستحيل، أو عبور المستحيل إلى ضفة الممكن، وكلّنا نعترف بعبقرية ذلك الإنسان الذي وُلِد ونشأ وترعرع في أحضان عائلة فقيرة ليصبح من أكثر الناس عطاء وإبداعاً في مجاله الفني المتميز، ونقصد به (شارلي شابلن) الذي يقول: «سوف تجد بأنّ الحياة ما زالت جديرة بالاهتمام، إذا أظهرت ابتسامتك»، وفي الآخِر هل يمكنك أن تجعل من الابتسامة مصباحاً يضيء لك طريق النجاح؟، الجواب نعم، أنا قادر على ذلك، وسوف أعمل في هذا الاتجاه بصدق، لأنّ الابتسامة تصنع لدى الآخر رد فعل سيكون لصالحي في جميع الأحوال، وهذا ما يفسّر، الكياسة والذوق والتوازن عند معظم المتبسمين الناجحين في حياتهم، ويندر أن تجد إنساناً ناجحاً تاجراً أو طبيباً أو صيرفياً أو أيّة مهنة ذات ربحية جيِّدة، لا يجعل من الابتسامة عنواناً له.

 
 

محمد رموز  

الابتسامة الصادقة روح الحياة تنعشها وتجعلها حيوية جذابة ومن أروع الابتسامات ابتسامة الروح وابتسامة الفطرة جاء في الاثر ّ تبسمك في وجه أخيك صدقة ّ

 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 202
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 علم نفس الضحك وإزالة التسمم المعنوي
 إرسم على شفتيك إبتسامة دائمية
 الضحك علاج طبيعي للجسم والذهن
 عالجوا آلامكم بالضحك
 اضحك ضحكة واحدة من القلب كلّ يوم
 أهمية الضحك صحياً ونفسياً واجتماعياً
 الضحك.. علاج نفسي للاكتئاب
 إضحك على نفسك
 الطبيب المهرج.. يعالج الأطفال بالضحك
 الفكاهة في المعالجة.. أسئلة وأجوبة

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 فوائد زيت السمسم
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا