الصفحة الرئيسية » رمضانيــات
ليلةُ القدر خيرٌ من ألف شهر

2019/05/26 | الکاتب :


◄(لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) (القدر/ 3)، وقد لا يكون هذا الرقم تحديداً في الكمّ، فربّما كان تقريباً للنوع في الدرجة التي يتضاءل أمامها كلّ زمنٍ من هذه الأزمنة التي لا تحمل إلّا الذرات الزمنية المجرّدة.

وهل أخذت شرفها من إنزال القرآن فيها، أم أنّ شرفها سابقٌ عليه؟ الظاهر الثاني، لأنّ الله يقول: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ) (الدخان/ 3)، فهي مباركةٌ في ذاتها. وربّما كان نزول القرآن فيها على أساس أنّه من الأمر الإلهيّ الذي يتنزل به الملائكة.

وأيُّ أمرٍ أعظم من القرآن الذي هو النور والهدى للبشرية، من خلال اللطف الإلهيّ الذي يصل الأرض بالسماء، ويدفع بالحياة إلى السير على الخطّة الإلهيّة الحكيمة في الفكر والمنهج والشريعة، والمفهوم الكامل الشامل للحياة، الذي يفتح للإنسان أكثر من نافذةٍ على الروح القادم من عند الله، ليزداد ـ بذلك ـ ارتفاعاً في السماوات الروحية العليا في رحاب الله؟!.

(تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ) (القدر/ 4)، وهذا هو سرّ الليلة الذي تتنزّل به الملائكة، الذين يوكل الله إليهم المهمّات المتعلقة بالكون الأرضي المتصل بالإنسان من كلّ أمرٍ يهمّه أو يتعلّق بشؤونه، في رزقه، وحركته وعمره، ونحو ذلك.

كما يتنزّل به الروح الذي قد يكون المراد به جبريل (ع)، الذي امتاز عن الملائكة ـ حسب الأحاديث الكثيرة ـ بأنّه الرسول الذي يحمل الوحي للأنبياء ليبلّغوه للناس، وقد يكون المراد به الخلق العظيم الذي يتميَّز بقدرةٍ خاصّةٍ غامضةٍ، أو بطبيعة مختلفةٍ عن طبيعة الملائكة، ولكن ما هي تفاصيل ذلك الأمر؟ وما هي ملامحه الدقيقة؟ إنّ ذلك ممّا لم يبيّنه الله لنا، ولكنّنا نعرف أنّ هناك بياناً لكلّ أمرٍ حكيم أمراً من عند الله، وقد فسّره المفسّرون بالأرزاق والآجال والأوضاع المتّصلة بحياة الإنسان.

ومهما كان، ممّا يمكن للإنسان فهم معناه، وبلوغ مداه، أو ممّا لا يمكن له الوصول إلى ذلك، فإنّ الآية توحي بأنّ هناك سرّاً ربّانياً يثيره الله في هذه الليلة في الكون الإنساني، من خلال رحمته التي يرحم بها عباده، ولطفه الذي يلطف به في حياتهم العامّة أو الخاصّة.

استعدّوا لليلة القدر

استعدّوا لليالي المباركة القادمة، وتهيّأوا لها على أكمل وجه؛ إنّها ليالي الخير التي أودع الله فيها كلّ الرحمة والبركات، الليالي التي تُكتَب فيها أقدارُنا وأرزاقنا وآجالنا إلى السنة التالية.

استعدّوا لها، وفرّغوا لها الوقت والجهد والسهر، والأهمّ النيّة الصافية، والروحانية العالية، فهي تستأهل منّا أن نكون على قدر ما أودع الله فيها من الأجر والثواب والرحمة والبركة وقبول التوبة، إنّها ليلة القدر التي هي (خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ)، والتي يرسل الله فيها ملائكته الموكلين بالمهمّات التي تتّصل بكلّ حياتنا، ويجعلها سلاماً (حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) (القدر/ 5).

ليلة واحدة في هذا الشهر الفضيل، تفوق عند الله ألف شهر من العبادة، وهي «سيِّدة الليالي»، كما يقول الرسول الكريم (ص)، من أحياها «إيماناً واحتساباً، غفر الله ما تقدَّم من ذنبه»، «ولو كانت عدد نجوم السماء، ومثاقيل الجبال، ومكائيل البحار».

ارفعوا الدعوات بأصوات مبتهلة متذلّلة، وبعيون دامعة، وبقلوب واعية خاشعة، واسجدوا واركعوا واستغفروا، واتلوا آيات الله وتدبّروها، واطلبوا من الله أن يجعلكم من السائرين على صراطه المستقيم، وأن يكتب لكم الخير والصلاح، وأن يمدّكم بطاقة الإيمان والتقوى، وأن يرزقكم رضاه أوّلاً وقبل كلّ شيء، ثمّ أن يرزقكم من خير الدُّنيا والآخرة. اجعلوا من هذه الليلة ليلةً مميَّزة في اللقاء مع الله، حتى يستجيب لنا، ويقبل منّا أعمالنا، ويكتبنا عنده من المؤمنين الطائعين، ومن أهل العتق من النار.

إنّها فرصة ثمينة يرسلها لنا الله في السنة مرّة، وهدية يقدّمها لنا تعالى، لنحصل على رضاه، ولنخرج من ذنوبنا وخطايانا، ولنبدأ صفحة جديدة في علاقتنا معه ومع الناس ومع أنفُسنا، علاقة قائمة على الإيمان والارتباط بالله تعالى في كلّ ما نخطوه في حياتنا، وفي كلّ مواقفنا وقراراتنا وولاءاتنا وعداواتنا، إنّها فرصة لنكسب من الأجر الكثير الكثير الذي وعدنا الله به.

وحتى نضمن أنّنا أحيينا الليلة المقصودة، فما علينا إلّا إحياء الليالي الثلاث المعروفة، حتى نكون قد ضمنّا لأنفُسنا إحياء ليلة القدر، بكلّ ما فيها من بركات وثواب.

اللّهُمّ إنّا نسألك أن تجعلنا من المحيين لهذه الليلة المباركة بالعبادة الصادقة المخلصة، ومن الذين تنالهم رحمتك وبركاتك فيها. اللّهُمّ وفّقنا لما فيه رضاك وخيرنا، وثبّتنا على ديننا، واكتب لنا العافية للسنة القادمة، واجعلنا عندك في سجلّ المؤمنين الطائعين، وجنّبنا معاصيك يا ربَّ العالمين.►

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 297
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 في وداع شهر رمضان المبارك
 ما هو نصيبنا من شهر رمضان؟
 رسالة الصوم
 شهر رمضان.. شهر الربح لا الخسارة
 ليلةُ القدر خيرٌ من ألف شهر
 ساعدوا الفقراء في شهر الخير
 فن إدارة الوقت في رمضان
 حقوق الناس في شهر رمضان
 علاقة الصيام بالتقوى
 رمضان شهر تصحيح المسار

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 فوائد زيت السمسم
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا